أطفال عراقيون أمام تحدّي الاندماج بعد العودة من مخيم الهول


بينما تواصل الحكومة العراقية تنفيذ برامج تأهيل العائلات التي أُعيدت من مخيم الهول السوري، يبرز ملف الأطفال بوصفه أحد أكثر الملفات الاجتماعية تعقيداً وحساسية، إذ إن آلافاً منهم أمضوا سنوات داخل مخيمات النزوح، بين مخيمي


الهول والجدعة في نينوى، ويستعدون اليوم للعودة إلى مجتمعات لم يعرفها كثير منهم من قبل، ما يثير تساؤلات عن هويتهم وتحديات اندماجهم داخل المجتمع.

 

والقضية لا تقف عند حدود الأوضاع المعيشية أو القانونية فقط، بل تمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية أعمق، إذ يجد هؤلاء الأطفال أنفسهم أمام واقع لم يعتادوه، يتطلب إعادة بناء شعورهم بالانتماء بعد سنوات من العيش في بيئات مغلقة فرضتها ظروف الحرب والنزوح.

 

تشير بيانات وزارة الهجرة والمهجرين العراقية، إلى أن آلاف العراقيين عادوا خلال السنوات الماضية من مخيمات شمال شرقي سورية، بعد خضوعهم لبرامج تأهيل داخل مخيم الجدعة جنوبي الموصل، فيما لا يزال نحو خمسة آلاف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، ينتظرون استكمال الإجراءات الخاصة بعودتهم إلى مناطقهم الأصلية.

 

أم عبد الله، أم لطفلين من المقيمين في مخيم الجدعة، تؤكد أن أبنيها “لا يملكان تصوراً واضحاً عن المكان الذي سيعودون إليه”، موضحة في حديثها لـ”العربي الجديد” أنها تحاول دائماً طمأنتهما بالقول: “سنعود إلى مدينتنا”، غير أنهما لا يتذكران شيئاً عنها. وتضيف: “ابنتي الصغيرة وُلدت خارج العراق، وابني الأكبر كان في الثانية من عمره عندما غادرنا، لذلك لا يعرفان حياة خارج المخيم”. وتضيف أن أكثر ما يقلقها كيفية اندماج طفليها في المجتمع بعد العودة، مضيفة: “أخشى أن يُنظر إليهما بطريقة مختلفة، أو أن يشعرا بأنهما غير مرغوب بهما من قبل المحيط، رغم أنهما طفلان لم يعيا شيئاً”.

 

تتكرر المخاوف ذاتها لدى أم علي، التي تستعد عائلتها لمغادرة مخيم الجدعة خلال الأشهر المقبلة، إذ تقول في حديثها لـ”العربي الجديد” إن ابنها، البالغ من العمر تسع سنوات، أصبح يطرح أسئلة متكررة عن المدرسة التي سيلتحق بها، والأصدقاء الذين سيلتقيهم بعد العودة. وتضيف: “هو متحمس للخروج من المخيم، لكنه خائف أيضاً، ويسألني: هل سأكون مثل بقية الأطفال؟ هل سأذهب إلى المدرسة وأحمل حقيبة؟ ولا أجد إجابة واضحة عن هذه الأسئلة”.

 

من جهته، يرى الناشط المدني عبد الرحيم الحمداني أن “التحدي الحقيقي يبدأ بعد مغادرة المخيم وليس قبله”، مبيناً لـ”العربي الجديد” أن “الجهود الحكومية والمنظمات الإنسانية تركز بشكل كبير على مرحلة التأهيل داخل المخيم، غير أن اختبار النجاح الفعلي لا يرتبط فقط بقدرة الأطفال على الاندماج بالمجتمع، بل أيضاً بمدى استعداد المجتمع نفسه لاحتوائهم وتقديم الدعم النفسي والمعنوي لهم بما يسهل عملية الاندماج”.

 

ويشدد على أن “برامج التأهيل لا ينبغي أن تقتصر على العائلات العائدة وأطفالها فقط، بل يجب أن تمتد لتشمل المحيط من خلال نشر الوعي بمسؤولية المجتمع في دعم الحالة النفسية لهؤلاء الأطفال ومساعدتهم على أن يكونوا عناصر بنّاءة في المجتمع”، مشيراً إلى أن “بعض الأطفال عاشوا سنوات طويلة في بيئات معزولة نسبياً عن المجتمع، ما يجعل انتقالهم المفاجئ إلى حياة مختلفة تحدياً يتطلب متابعة مستمرة ودعماً نفسياً ومعنوياً ومادياً، لا مجرد إجراءات تسبق العودة”.

About Author